كيف يمكن لقيادات البنوك الاستفادة من الذكاء الاصطناعي؟ – دروس عملية من تجربة JPMorgan Chase
تجربة JPMorgan Chase مع الذكاء الاصطناعي تقدم دروسًا عملية لقيادات البنوك: من جعل الذكاء الاصطناعي أولوية قيادية استراتيجية، إلى تمكين الموظفين يوميًا، وبناء بنية بيانات قوية، وضمان حوكمة صارمة. الفرق الحقيقي بين مؤسسة "تستخدم" الذكاء الاصطناعي ومؤسسة "تتحول" من خلاله يبدأ من القمة.
لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعًا تقنيًا يخص إدارات تكنولوجيا المعلومات فقط، ولم يعد مجرد أداة لتحسين بعض الإجراءات الخلفية داخل البنوك. التجربة الحديثة لـ JPMorgan Chase، أحد أكبر البنوك في العالم، تُظهر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح جزءًا من نموذج العمل المصرفي نفسه: في خدمة العملاء، إدارة المخاطر، كشف الاحتيال، تطوير المنتجات، دعم الموظفين، وتسريع اتخاذ القرار.
ما يجعل تجربة JPMorgan Chase مهمة لقيادات البنوك هو أنها لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمشروع جانبي أو تجربة محدودة، بل كتحول مؤسسي واسع النطاق. وقد عبّر Jamie Dimon، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للبنك، عن هذا التوجه بوضوح في رسائله للمساهمين، حيث أكد أن الذكاء الاصطناعي والبيانات والتكنولوجيا أصبحت عناصر حاسمة في مستقبل البنك وقدرته على المنافسة.
هذه المقالة لا تهدف إلى عرض تجربة JPMorgan Chase كقصة نجاح فقط، بل إلى استخلاص دروس عملية يمكن أن يستفيد منها مدراء وقيادات البنوك في منطقتنا عند التفكير في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل مؤسساتهم.
أولًا: الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أولوية قيادية لا مشروعًا تقنيًا فقط
أحد أهم الدروس من تجربة JPMorgan Chase هو أن تبني الذكاء الاصطناعي بدأ من قمة المؤسسة. لم يُترك الأمر لفريق تقني صغير يعمل بمعزل عن باقي البنك، بل أصبح جزءًا من الرؤية الاستراتيجية للإدارة العليا.
في حالة JPMorgan Chase، تحدث Dimon عن الذكاء الاصطناعي باعتباره عاملًا سيؤثر في معظم جوانب العمل المصرفي، من خدمة العملاء إلى العمليات الداخلية. وهذا يعني أن السؤال لم يعد: "هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟" بل أصبح: "أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق قيمة حقيقية داخل البنك؟"
ثانيًا: ابدأ من حالات استخدام واضحة ومتصلة بقيمة الأعمال
الخطأ الشائع في كثير من المؤسسات هو البدء من الأداة: أي منصة نشتري؟ أي تطبيق نستخدم؟ أي نموذج ذكاء اصطناعي هو الأفضل؟
لكن تجربة JPMorgan Chase تشير إلى منطق مختلف: ابدأ من حالات الاستخدام التي تخلق قيمة واضحة. بحسب Reuters، كان لدى JPMorgan حوالي 450 حالة استخدام محتملة للذكاء الاصطناعي، مع توقعات بارتفاعها إلى حوالي 1,000 حالة استخدام في العام التالي. كما أشارت التقارير إلى أن البنك ينظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية القيمة والتحول، وليس فقط من زاوية عدد المشاريع.
بالنسبة للبنوك، يمكن أن تشمل حالات الاستخدام العملية:
- كشف الاحتيال بشكل أسرع وأكثر دقة
- تحليل سلوك العملاء وتقديم عروض أكثر ملاءمة
- دعم موظفي خدمة العملاء أثناء المكالمات أو المحادثات
- تسريع مراجعة الوثائق والملفات الائتمانية
- تحسين تقييم المخاطر الائتمانية
- تحليل شكاوى العملاء واستخراج أنماط متكررة
- مساعدة المدراء في إعداد التقارير والتحليلات
- دعم فرق الامتثال في مراجعة السياسات والإجراءات
الفكرة هنا أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يرتبط بمشكلة مصرفية حقيقية، لا أن يُستخدم فقط لأنه أصبح اتجاهًا شائعًا.
ثالثًا: اجعل الذكاء الاصطناعي أداة يومية للموظفين
من الخطوات اللافتة في تجربة JPMorgan Chase إطلاق منصة داخلية باسم LLM Suite، وهي أداة ذكاء اصطناعي توليدي مخصصة لموظفي البنك. بحسب JPMorgan Chase، تم إطلاق المنصة في صيف 2024، ووصل عدد مستخدميها الداخليين إلى 200,000 موظف خلال ثمانية أشهر. وقد صُممت المنصة لتوفير الوصول إلى النماذج اللغوية الكبيرة داخل بيئة آمنة، مع استخدامها في توليد الأفكار وصياغة المحتوى ودعم العمل اليومي.
الموظف في البنك يمكن أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي في:
- تلخيص تقارير طويلة
- صياغة ردود أولية على العملاء
- تحليل ملاحظات العملاء
- إعداد مسودات عروض أو مراسلات
- استخراج نقاط رئيسية من سياسات داخلية
- تحويل البيانات إلى رؤى قابلة للنقاش
- تجهيز أسئلة لاجتماعات المراجعة والمتابعة
لكن هذا يجب أن يتم ضمن ضوابط واضحة، خصوصًا في القطاع المصرفي، بسبب حساسية بيانات العملاء ومتطلبات الامتثال.
رابعًا: ارفع إنتاجية فرق التكنولوجيا والعمليات
استخدام الذكاء الاصطناعي في البنوك لا يقتصر على خدمة العملاء أو التسويق. واحدة من أهم مناطق التأثير هي فرق التكنولوجيا نفسها.
بحسب Reuters، قالت Lori Beer، الرئيسة العالمية للمعلومات في JPMorgan Chase، إن استخدام أداة مساعدة للبرمجة بالذكاء الاصطناعي ساعد عشرات الآلاف من مهندسي البرمجيات في البنك على تحقيق زيادة في الكفاءة تراوحت بين 10% و20%.
خامسًا: حوّل تجربة العميل من تفاعلية إلى استباقية
البنوك التقليدية غالبًا تنتظر أن يتواصل العميل معها: يطلب قرضًا، يشتكي من مشكلة، يستفسر عن معاملة، أو يطلب خدمة. لكن الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام نموذج أكثر استباقية.
في رؤيته لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تحدث Jamie Dimon عن قدرة البنك على مساعدة العملاء في توقع احتياجاتهم المالية، مثل التدفقات النقدية، الفواتير القادمة، وإدارة الميزانية. وهذا تحول مهم في معنى الخدمة المصرفية.
بدل أن يكتفي البنك بعرض الرصيد والحركات، يمكنه أن يساعد العميل على فهم وضعه المالي القادم:
- ما المصاريف المتوقعة هذا الشهر؟
- هل هناك نمط إنفاق غير طبيعي؟
- هل قد يواجه العميل نقصًا في السيولة؟
- هل يوجد منتج مصرفي مناسب لاحتياجه الحالي؟
- هل يحتاج العميل إلى تنبيه مبكر قبل حدوث مشكلة مالية؟
هذا النوع من الخدمات لا يحسن تجربة العميل فقط، بل يعزز ولاءه وثقته بالبنك.
سادسًا: لا يمكن بناء ذكاء اصطناعي قوي فوق بيانات ضعيفة
الذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات. وإذا كانت بيانات البنك مجزأة، غير محدثة، غير منظمة، أو يصعب الوصول إليها، فإن فرص الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي ستكون محدودة.
تجربة JPMorgan Chase تؤكد أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد شراء أداة، بل يحتاج إلى بنية تحتية قوية للبيانات، وأنظمة آمنة، وحوكمة واضحة.
قبل أن تسأل المؤسسة "أي أداة ذكاء اصطناعي نستخدم؟"، عليها أن تسأل:
- هل بياناتنا منظمة؟
- هل لدينا تعريفات موحدة للبيانات؟
- هل أنظمتنا مترابطة؟
- هل نعرف من يملك البيانات ومن يحق له استخدامها؟
- هل لدينا سياسات واضحة لحماية بيانات العملاء؟
- هل نستطيع قياس جودة البيانات؟
سابعًا: الحوكمة ليست عائقًا للابتكار، بل شرط له
في القطاع المصرفي، لا يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي بعقلية "جرّب بسرعة ثم صحّح لاحقًا" دون ضوابط. البنوك تعمل في بيئة عالية الحساسية: بيانات مالية، خصوصية، امتثال، مخاطر تشغيلية، ومخاطر سمعة.
لذلك، نجاح JPMorgan Chase في نشر أدوات مثل LLM Suite داخليًا يرتبط بكونها تعمل داخل بيئة آمنة ومنضبطة، لا من خلال استخدام عشوائي لأدوات عامة مفتوحة.
بالنسبة للبنوك، الحوكمة يجب أن تشمل:
- ما البيانات التي يمكن إدخالها في أدوات الذكاء الاصطناعي؟
- من يحق له استخدام الأداة؟
- ما الحالات المسموح بها وغير المسموح بها؟
- كيف يتم التحقق من المخرجات؟
- من يتحمل المسؤولية عن القرار النهائي؟
- كيف نمنع التحيز أو الأخطاء أو الإفصاح غير المقصود عن بيانات العملاء؟
- كيف نضمن التوافق مع تعليمات الجهات الرقابية؟
ثامنًا: درّب المدراء قبل تدريب الأدوات
أحد الأخطاء المتوقعة في البنوك هو التركيز على تدريب الموظفين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، دون تدريب المدراء على قيادة هذا التحول.
المدير المصرفي يحتاج إلى فهم أسئلة مختلفة عن الموظف:
- كيف أختار حالات الاستخدام ذات الأولوية؟
- كيف أقيس العائد من الذكاء الاصطناعي؟
- كيف أتعامل مع مقاومة الموظفين؟
- كيف أوازن بين الكفاءة وحماية الوظائف؟
- كيف أضمن أن القرار النهائي لا يزال خاضعًا للحكم المهني؟
- كيف أدمج الذكاء الاصطناعي في إجراءات العمل اليومية؟
Jamie Dimon أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر على الوظائف، وقد يلغي بعضها، لكنه سيحسن وظائف أخرى ويخلق أدوارًا جديدة. وهذا يعني أن دور القيادة لا يقتصر على إدخال التكنولوجيا، بل يشمل إدارة الأثر الإنساني والتنظيمي لهذا التحول.
تاسعًا: كيف يمكن للبنوك أن تبدأ عمليًا؟
يمكن لقيادات البنوك أن تبدأ بخطوات عملية ومدروسة بدل انتظار مشروع ضخم ومكلف.
-
١تشكيل فريق قيادة للذكاء الاصطناعي
يفضل أن يضم الفريق ممثلين عن الإدارة التنفيذية، التكنولوجيا، المخاطر، الامتثال، الموارد البشرية، خدمة العملاء، والعمليات. الذكاء الاصطناعي لا ينجح عندما يبقى في إدارة واحدة فقط.
-
٢تحديد 5 إلى 10 حالات استخدام ذات أولوية
ابدأ بالمشكلات المؤلمة والمتكررة: بطء الموافقات، كثرة الشكاوى، ضعف التخصيص، ضغط مراكز الاتصال، تأخر التقارير، أو ارتفاع مخاطر الاحتيال.
-
٣اختيار تجارب محدودة قابلة للقياس
لا تبدأ بمشروع تحولي ضخم. ابدأ بتجربة صغيرة لها مؤشرات واضحة: وقت أقل، تكلفة أقل، دقة أعلى، رضا عملاء أفضل، أو إنتاجية أعلى.
-
٤بناء سياسة استخدام واضحة
قبل تعميم الأدوات، يجب تحديد ما يُسمح وما لا يُسمح به، خصوصًا فيما يتعلق ببيانات العملاء والمعلومات السرية.
-
٥تدريب المدراء والموظفين
التدريب يجب ألا يكون تقنيًا فقط. يجب أن يشمل التفكير النقدي، التحقق من المخرجات، أخلاقيات الاستخدام، حماية البيانات، وإعادة تصميم إجراءات العمل.
-
٦قياس الأثر لا عدد الأدوات
نجاح الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بعدد التطبيقات المستخدمة، بل بقيمة الأعمال التي يخلقها: سرعة الخدمة، جودة القرار، خفض المخاطر، رضا العملاء، وإنتاجية الموظفين.
عاشرًا: الدرس الأهم من تجربة JPMorgan Chase
الدرس الأهم ليس أن JPMorgan Chase استخدم الذكاء الاصطناعي، فمعظم البنوك تفعل ذلك بدرجات مختلفة. الدرس الحقيقي هو أن البنك تعامل مع الذكاء الاصطناعي كقدرة مؤسسية استراتيجية، لا كأداة منفصلة.
لقد ربط البنك بين القيادة، البيانات، التكنولوجيا، الحوكمة، الموظفين، وتجربة العميل. وهذا هو الفرق بين مؤسسة "تستخدم" الذكاء الاصطناعي ومؤسسة "تتحول" من خلاله.
بالنسبة للبنوك في منطقتنا، الفرصة كبيرة. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين الكفاءة، تقليل المخاطر، تطوير تجربة العملاء، وتحرير الموظفين من الأعمال المتكررة. لكنه لن يحقق هذه النتائج إذا تم التعامل معه كمشروع تقني معزول أو كموضة مؤقتة.
- ليس فقط: ما الأداة التي نستخدمها؟
- بل: ما القيمة التي نريد خلقها؟
- ما القرارات التي نريد تحسينها؟
- ما التجربة التي نريد تقديمها للعميل؟
- ما القدرات التي يجب أن نبنيها داخل البنك حتى يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من طريقة العمل اليومية؟
تجربة JPMorgan Chase تقدم رسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن القيادة، بل اختبار جديد لها.
البنك الذي يريد الاستفادة من الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قيادة تفهم التكنولوجيا دون أن تنبهر بها، وتعرف كيف تربطها بالاستراتيجية، وتوازن بين الابتكار والحوكمة، وبين الكفاءة والإنسان، وبين السرعة والمسؤولية.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي لن يصنع بنكًا أفضل وحده. لكن القيادة التي تعرف كيف تستخدمه، وتدمجه في العمل اليومي، وتبني حوله ثقافة تعلم وتجريب ومسؤولية، ستكون أقدر على بناء بنك أكثر ذكاءً، سرعة، وقربًا من عملائه.
مصادر ومراجع
- رسالة Jamie Dimon للمساهمين، JPMorgan Chase Annual Report 2025
- JPMorgan Chase حول منصة LLM Suite واستخدامها من قبل الموظفين
- Reuters حول استخدام JPMorgan Chase لأدوات الذكاء الاصطناعي في رفع إنتاجية المهندسين وحالات الاستخدام

وحيد زهران
مستشار تطوير القيادات · CPD #405342
فلسطين · السعودية · الإمارات







